عندما يصبح العالم قرية صغيرة

منذ فترة مررت على موقع مميز يبين حجم التقارب الذي وصلنا إليه، وهو موقع mturk.com التابع لشركة أمازون. في هذا الموقع يتم عرض أعمال بسيطة جداً لكنها تحتاج لعقل بشري ولا يستطيع الحاسوب على القيام بها. وإسم الموقع وراءة قصة طريفة عن اختراع قديم زعم صاحبه بأن لديه آلة تقوم بلعب الشطرنج بذكاء، بينما في الحقيقة كان هناك شخص داخل المكينة. وسبب هذه التسمية، أن المهام المعروضة في هذا الموقع بسيطة لدرجة تجعل احتمال أن يقوم بها الحاسوب ممكناً عن طريق الذكاء الاصطناعي، ولكن يتم إيكالها للبشر لعدم توفر التقنية المناسبة.

طبعاً، لا أنصح أي فرد باستخدام هذه المواقع إلا في حالة حاجته الماسة للمال، لأن المبالغ المدفوعة زهيدة جداً.. مثلاً يحصل الفرد بعد تنفيذ 100 مهمة بسيطة على دولار واحد فقط.. ولكن المهام عادة ما تكون بسيطة لدرجة متناهية، مثل نقل بريد إلكتروني من موقع إلى ملف، أو إعطاء كل صورة إسم مناسب لها.. إلخ. ولكن الحقيقة أن هناك الآلاف من الأفراد يقومون بالعمل في هذا الموقع لحاجتهم للمال ولسهولة العمل، ولعل هذه الظاهرة تمثل عولمة الأيدي العاملة الرخيصة بعد أن تم من قبل عولمة الصناعة وكذلك عولمة الوظائف التقنية والعلمية الرفيعة.

لا يمكننا إنكار تقارب الأماكن بسبب التقنيات التي وصل لها العالم من إنترنت، وإتصالات، وسرعة تنقل البضائع والأفراد، وكل هذا ساهم في تنقل الوظائف والأعمال أيضاً. فأصبحت ظاهرة التعهيد – outsourcing – أمر طبيعي تقوم به كل الشركات الكبيرة، بل أصبح الأفراد يقومون بتوكيل أعمالهم الصغيرة لأفراد مثلم في دول أفقر. بالنسبة للشباب العربي -خصوصاً المتعلم الباحث عن وظيفة-، أنصحهم بالاستفاد من المواقع التي تقوم بتنزيل مناقصات مناسبة تتراوح قيمتها بين 100 و 1000 دولار عادةً، وأشهر هذه المواقع هو موقع freelancer والمشاريع الموجودة عليه معظمها في المجال التقني، ولكن هناك مشاريع تصميم وهندسة ومحاسبة وغير ذلك..

اشتري منك سفينة بشرط تشتري مني الخشب

عندما تقوم حكومات دول العالم الثالث بتوقيع عقد مع شركة عالمية بمليارات أو ملايين الدولارات، فإنها تشترط على الشركة أن يتم تطوير جزء كبير من المشروع محلياً، وطبعاً في بعض الأحيان قد لا تتوفر المهارات المطلوبة، لهذا قد تشترط هذه الحكومات الطموحة من الشركة أن تخصص مثلاً 10 مليون دولار لعقود مخصصة لهذه الدولة في أي مجال، ولا يشترط أن تتم العقود بين الشركة العالمية والحكومة، بل يمكن أن تتم بين الشركة العالمية وأي شركة محلية. بهذه الطريقة تضمن الحكومة عودة جزء مما خسرته في الصفقة الرئيسية إلى البلاد بصورة غير مباشرة، فلو أنها اشترت أجهزة تقنية حديثة مثلاً، فإن الشركة ستكون ملزمة بشراء منتجات أو خدمات من هذا البلد، مثل النحاس، أو النفط، أو القطن، أو حتى توقيع عقود خدمية مع شركات الاستشارات أو التطوير المحلية.

أعتقد بأن هذه الظاهرة إيجابية وتفيد الطرفين، فالحكومة تستطيع التفاوض مع الشركات واختيار الشركة التي ستمنح اقتصادها الوطني أكبر عقد، والشركة العالمية تريد إرضاء عميلها للفوز بالصفقة التجارية وشراء المنتجات من تلك الدولة يعد تبادل منفعي. والسؤال الآن، هل تقوم حكوماتنا العربية بمثل هذا الشيء؟ أنا بصراحة لا أدري، ولكني على يقين بأن حكوماتنا تنفق مليارات الدولارات على عقود عملاقة مع شركات عالمية سنوياً. فما هو المردود للاقتصاد الوطني؟

تشيلي تنافس في الاقتصاد المعرفي

لقد دخلنا عصر جديد يختلف عن العصور السابقة، الآن يمكن للدول الصغيرة والنامية ان تصارع الدول المتقدمة عن طريق تقديم خدمات مميزة بأسعار منافسة. فمع رخص تكاليف إنتقال المعلومات والأفراد والبضائع، أصبح موقع الشركة الجغرافي غير مهم، بل تصب الأهمية على جودة الخدمة أو المنتج وتكلفته. منذ فترة وأنا أفكر في مستقبل الدول العربية التي تحتوي على ثروة بشرية هائلة.. مصر، الأردن، الجزائر، اليمن السعودية، وغيرها، فإني أرى في هذه الدول هند وبرازيل مصغرة لها مستقبل واعد.

قرأت مؤخراً تقرير عن دولة تشيلي التي تقع في طرف أمريكا الجنوبية، حيث قامت حكومة تشيلي خلال العقد الماضي بعدة خطوات ساهمت في نمو اقتصادها المعلوماتي والخدمي ليصل حجمه إلى قرابة مليار دولار. فقد عملت الدولة على تشجيع مشاريع التعهيد الخدمي Outsourcing حيث تقوم الشركات العالمية بنقل وظائفها إلى تشيلي لرخص الأيدي العاملة وجودتها، وهذه الخطوة ليست جديدة على مستوى العالم، فمعظم الشركات العالمية قد نقلت جزء كبير من معاملها ومكاتبها إلى الهند والصين والمكسيك لقلة التكلفة وجودة الموظفين مقارنة بموظفي الشركات في أمريكا أو أوروبا.

وأحب أن أذكر بعض التشجيعات التي تقدمها تشيلي لأي شركة تريد أن تنقل أعمالها إلى البلد: طبعاً، الفيزا تحصل عليها مباشرة وبدون أي تعقيدات أو شروط وجود كفيل، وإن كنت تود القيام بجولة استكشافية لسوق تشيلي فالحكومة تساعدك بتغطية 60% من تكلفة رحلتك. وإن كان مشروعك حجم رأس ماله أكثر من نص مليون دولار، فهناك المزيد من التسهيلات: سيتم منحك 30,000 دولار عند بدأ المشروع كمبلغ تحفيزي، وإن قمت بتسجيل شركتك في أحد القرى التقنية المملوكة للحكومة، فسيتم تغطية تكاليف الإيجار لمدة 5 سنوات، وإذا كنت تفضل شراء أرض وبناء معاملك ومصانعك الخاصة، فستقوم الحكومة بدفع 40% من تكاليف البناء. أما إن قمت بتوظيف موظفين محليين من أهل تشيلي، فسوف تمنحك الشركة بميزانية لتدريبهم تصل إلى 25,000 دولار لكل موظف، وهناك المزيد المزيد..

هذا مثال على دولة نامية تشبه الكثير من الدول العربية، ليست مطورة، فيها فساد وفقر وتخلف، لكنها بالفعل عزمت النية على التغيير والمنافسة في الاقتصاد الدولي. أتمنى أن تقوم مصر أو الأردن أو السعودية أو أياً من الدول العربية بإتباع نفس هذا المنهج التحفيزي والتنافسي، فالثروة الحقيقية في اقتصاد اليوم هي الثروة البشرية !

ريادة الأعمال نوعان

مع تزايد عدد المقبلين على ريادة الأعمال، نجد الكثير من الشباب قد قرر التوقف عن اللهث وراء شبح الوظيفة وعزم على فتح شركته الخاصة. هذه الظاهرة إيجابية، ويجب أن نستمر في بناء الشركات الناشئة لأن بعض هذه الشركات ستنجح وستمثل العمود الفقري للأقتصاد العربي في المستقبل. لكني أود اليوم تسليط الضوء على نوعين مختلفين من ريادة الأعمال: الأول هو ريادة الأعمال الصغيرة، حيث يهدف صاحب المشروع إلى بناء شركة أو متجر يدر عليه ربحاً يمنحه الاكتفاء الذاتي ويتكفل بتغطية تكاليف معيشته. وهذا النوع من ريادة الأعمال منتشر بشكل كبير في الوطن العربي، فصاحب المخبز، ومالك التاكسي، وصاحب المتجر كلهم رواد أعمال صغيرة. وبالرغم من أهمية هذه المشاريع، إلا أنها قلما تحقق نجاح كبير يتعدى حدود المالك، أي أنها لا تسهم بخلق وظائف وحركة تجارية كبيرة. أما النوع الثاني فهو ريادة الأعمال القابلة للنمو، وفي هذا النوع تكون نية رائد الأعمال من أول يوم هو تأسيس إمبراطورية تجارية أو شركة كبيرة لها فروع وتوسعات كثيرة، فتجده يسير على خطة مرسومة بدقة لكي يصل إلى هدفه المنشود. وهذا النوع من ريادة الأعمال هو ما نفتقده حقيقة في الوطن العربي، فمن السهل جداً أن تنشئ شركة تحقق لك اكتفاء ذاتي، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تأسيس شركة إقليمية أو عالمية تصل مبيعاتها إلى شتى أقطار العالم وتفيد مجتمعك بأسره.

أخيراً.. أحب أن أوضح أنه يمكن أن يتحول النوع الأول إلى الثاني مع الزمن بمحض الصدفة، أو بقرار يتخذه رائد الأعمال بعد أن يكتشف بأن أمامه منجم ذهب تجاهله لمدة طويلة.. والأمثلة على هذه الحالة كثيرة أيضاً، فتجد في كل بلد عربي تقريباً شخصية تجارية بدأت بعمل بسيط جداً.. وبعد سنوات طويلة.. بدأت بالتوسع بشكل كبير وأصبحت الآن مجموعة شركات تمتلك جزء كبير من اقتصاد البلد. لهذا، قد يتساءل البعض: إذاً ما الفرق، فالمسألة مسألة مرور بمراحل؟ أقول بأن هناك فرق كبير، فالنوع الأول عادة يتجه بدون خطة توسع فيتم النمو ببطء شديد، والكثير يتوقف لعدم إدراكه لما يمكن تحقيقه في حالة التوسع أو لعدم وجود الرغبة. أما النوع الثاني، فهو يتحرك وفق خطة واضحة لكي يحقق أهدافه العملاقة، مما يزيد من سرعة نمو الشركة، ويقلل من التخبط والعشوائية في تطور منتجاتها وخدماتها. فجديرٌ بكل شاب متعلم أن يتحرى مثل هذه الفرص وأن يعتمد على خبرته ومعرفته لكي يؤسس شركة قابلة للنمو تساهم في حل مشاكل الوطن العربي الاقتصادية والاجتماعية.

كتاب إسرائيل: أمة الشركات الناشئة

أقدم لكم اليوم ترجمة كتاب مهم كنت قد ترجمته في ٢٠١٠، إلا أني أرى بأن محتواه مهم يستحق القراءة في كل وقت. إسرائيل: أمة الشركات الناشئة، الترجمة تمت بتصرف، وأنصح كل مهتم بأن يحاول الحصول على النسخة الإنجليزية وقراءتها بالكامل.

التنازل في المفاوضات: ربح أم خسارة

تعلمت فنون التجارة والمبايعة والتفاوض منذ الطفولة فتجار اليمن كغيرهم من التجار العرب معروفين ببراعتهم في البيع والشراء، لهذا كان علي أن أتعلم حيلهم وأساليبهم لكي أحصل على أفضل سعر. استفدت من هذه الفنون التجارية كثيراً عند تأسيس أول مشاريعي الريادية، ولكني لاحظت مؤخراً أنها سبباً من أسباب عدم نجاح بعض محاولاتي التجارية. سأسرد لكم قصة حصلت لي توضح قصدي.

متابعة قراءة التنازل في المفاوضات: ربح أم خسارة

فرصة استثمارية ذهبية

كم أتمنى لو كان لدي مبلغ مالي متوسط الحجم لكي أقوم باستثماره اليوم قبل غداً، فهناك فرص استشمارية خيالية في الوطن العربي.  إن هذه الفرص هي عبارة عن شركات عربية ناشئة تقوم بتطوير منتجات وخدمات مبتكرة ومميزة.

ولعل سبب توفر هذه الاستثمارات وقلت عدد المهتمين بها يعود إلى تميزها واختلافها عن الاستثمارات التقليدية التي يخوضها معظم المستثمرون العرب والتي عادة ما تركز على العقارات والأسهم. فبينما يتسابق المستثمرون في أقصى الغرب والشرق على تمويل الشركات الناشئة مقابل نسبة من ملكية الشركة، نجد الشركات العربية يائسة من عدم اهتمام المستثمرين العرب بها. ففي أمريكا مثلاً، يقوم صاحب الشركة بخوض مفاوضات طويلة مع عدة مستثمرين لكي يختار أفضل صفقة تناسب شركته، فهذا يقدم 100 ألف دولار ويطلب 20% من الشركة، وذاك يعرض 250 ألف دولار مقابل 30%. أما في الدول العربية فالحال مختلف جداً، فهناك شركات تبحث عن 10 أو 20 ألف دولار وهي مستعدة للتنازل عن جزء كبير من نسبتها لكي تستطيع مواصلة تطوير منتجها.

إن هذه الفرص ذهبية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فمع إنعدام المنافسين يصبح المستثمر محتكر للسوق وبهذا يتمكن من شراء جزء كبير من هذه الشركات الناشئة مقابل مبالغ زهيدة. قد يتساءل البعض كيف يمكن الوصول إلى هذه الشركات؟ للأسف، وسائل الإعلام لا تقوم بتغطية الشركات الناشئة بالشكل المطلوب، لهذا على المستثمر البحث بجدية في صفوف خريجي الجامعات العربية، وفي مسابقات خطط العمل التي تقام سنوياً، وفي حاضنات الأعمال العربية، وفي المواقع المتخصصة مثل موقع ستارت أب أريبيا. أتمنى أن تصل هذه الرسالة إلى كل مستثمر عربي، لكي تنمو شركاتنا الناشئة وتنافس في السوق العالمي.

ترجمة كتاب Startup Nation – Israel الباب الرابع والأخير

نتابع ترجمة الكتاب، مع الباب الرابع والأخير..

الباب الرابع: دولة لديها حافز
الفصل الحادي عشر – خيانة وفرصة

متابعة قراءة ترجمة كتاب Startup Nation – Israel الباب الرابع والأخير

ترجمة كتاب Startup Nation – Israel الفصل العاشر

نتابع ترجمة الكتاب، مع الفصل العاشر، وهو من وجهة نظري أهم فصل، ولهذا خصصت له تدوينة كاملة…

الفصل العاشر: برنامج يوزما الحكومي
متابعة قراءة ترجمة كتاب Startup Nation – Israel الفصل العاشر

شماعة الحكومة مكسورة

تعودنا رمي جميع أعذارنا على الحكومة: فالنظام التعليمي فاشل بسبب الحكومة، والشباب عاطل بسببها أيضاً، والاقتصاد راكد بسبب الحكومة، والعملة ضعيفة بسبب الحكومة، والشوارع قذرة بسبب الحكومة، والأسعار مرتفعة بسبب الحكومة.. إلخ

قد يكون للحكومة دور في معظم هذه الأمور، لكن اكتفاءنا برمي الأعذار عليها وإنعدام أي محاولة إصلاح لن يغير الوضع إطلاقاً. اليوم، أحب أن أعلن للجميع بأن شماعة الحكومة أصبحت مكسورة، وأنه لا يمكن استخدامها بعد اليوم. لقد تغير العالم، وأصبح للدور الفردي أثر كبير، فمع انتشار العولمة وتطور تقنية التواصل عبر الإنترنت، أصبح الكل قادر على الوصول إلى العلم مجاناً ومن أفضل مصادره.  لم يعد دور القطاع العام ذو أهمية، وأصبحت زمام الأمور في أيادينا فإما أن نبدأ التغيير والإصلاح والتطوير، أو أن نستمر برمي الأعذار على شماعة مكسورة لتتراكم أعذارنا النتنة ونبقى كما كنا !