نستثمر في ماضيهم ليستثمروا في مستقبلنا

اتحدث اليوم عن شركات وبنوك وصناديق الاستثمار العربية التي تجوب العالم بحثاً عن عوائد الاستثمار العالية. لا أتحدث عن شركات الاستثمار الجريء Venture Capital التي تستثمر في الشركات الناشئة، بل عن شركات الاستثمار الخاصة Private Equity والبنوك الاستثمارية Investment Banking وصناديق الاستثمار السيادية Sovereign Investment Funds.

تختلف هذه الجهات الاستثمارية عن بعضها البعض من حيث نوعية الملكية ومدى شهيتها للمخاطرة ولكن العامل المشترك فيها أنها تستثمر في شركات قائمة لديها إيرادات وأرباح وليس في المشاريع الناشئة Startups، كما أنها لا تستثمر مبالغ صغيرة إطلاقاً. لدينا في الوطن العربي عدد لا بأس به من صناديق الاستثمار الخاصة كما أن لدينا أكبر صناديق الاستثمار السيادية في العالم، ولكن المؤسف حقاً أن معظم الاستثمارات يتم ضخها بعيداً عن الوطن العربي.

قد يتفق معي الكثير ويبدأ بتكرار العبارات المتشائمة أنه لا خير في أمتنا، وغير ذلك من الإنتقاد اللاذع الذي نسمعه دائماً، وقد يختلف معي البعض ويظن أني شاب حالم أتكلم عن عالم مثالي ولا أدرك أن هدف هذه الجهات الاستثمارية – بطبيعة الحال – هو الربح أولاً، وتحقيق التنوع الاستثماري. لكني تمعنت في هذه الظاهرة طويلاً قبل أن أقرر أن أكتب عنها، واليوم قررت أن أكتب لعل كلامي يصل إلى شخص بيده القرار.

معظم استثماراتنا في الخارج تصب في العقارات سواءاً في أوروبا (ولندن بشكل خاص) أو غيرها من المناطق، وهناك استثمارات في مجالات مختلفة لا يمكنني أن أحصيها، فقد مرت علي عمليات استثمار واستحواذ بأموال عربية على فنادق ومنتجعات و ماركات أزياء ونوادي رياضية وكازينوهات، ومن باب العدل مرت علي أيضاً صفقات في مجالات الصناعة والزراعة والنفط والنقل. ولكن العامل الرئيسي الملاحظ في معظم وإن لم يكن كل هذه الاستثمارات أنها استثمرت في ماضي شركات وماضي قطاعات ولم تستثمر في المستقبل، وأقصد بالماضي هنا أن أموالنا العربية استثمرت في شركات وصلت إلى قمة النجاح Maturity وربما بدأت بالتدهور Decline. والحقيقة أن كل الشركات في العالم تمر بهذه الدورة الطبيعية، بل تنطبق هذه الدورة حتى على الدول والأمم والحضارات. وقد يبدو للبعض أن الاستثمار في مرحلة قمة النجاح هو أضمن أستثمار وأقل مخاطرة، فعادة ما تكون العوائد الربحية وتوزيعات أرباح الأسهم في هذه المرحلة عالية جداً، لكن خطر الإنحدار وتدهور قيمة الشركات في هذه المرحلة واقع سيتحقق عاجلاً أم آجلاً.

businesslifecycle

طبعاً، لك أن تتخيل موقف شركات الاستثمار العربية، لديها فائض مالي وترى أن هناك فرصة ذهبية في شراء شركات عالمية وماركات وأسماء براقة أصبحت معروفة في كل بقاع العالم، كما أن لهذه الشركات قاعدة عملاء وشهرة وصيت وأرباح أيضاً، فلماذا لا نشتريها؟ ولا ننسى كمية الفخر التي سنشعر بها كعرب عندما يكون نادي كذا ملك لنا، وفندق كذا ملك لنا، والعقار القائم في شارع كذا في مدينة كذا، وماركة كذا، إلخ.. أتريد أن تقنعني أن استثمر في شركات ناشئة عربية لا يعرفها أحد، أين الفخر في هكذا استثمار؟

هذه الفكرة تراودني منذ بضع سنين، خصوصاً عندما كنت أبحث بإستماته عن استثمار لشركتي، ولكن التغيرات والتحركات الأخيرة في سوق الاستثمار في الوطن العربي ذكرتني بهذا الموضوع ودفعتني للكتابة. وكان من غير المناسب أن أكتب عن هذا الموضوع في السابق لأنه سيبدو أني أشكي وأبكي بحثاً عن الاستثمار، لكن اليوم بعد أن حققت شركتي نجاح مرضي لي وللمستثمرين الذين افتخروا بالاستثمار في شركة ناشئة عربية، أرى أنه يمكنني أن أكتب بموضوعية وبحقائق وأرقام.

بينما انشغلت شركاتنا العربية في الاستثمار في ماضيهم تحركت أول أفواج الشركات الأجنبية الاستثمارية لتستثمر في مستقبلنا لأنها تعلم أن الفخر يكمن في اقتناص الفرص مبكراً وشراء الأسهم بأسعار متواضعة وبناء الشركات والمساهمة في تذييل التحديات التي تواجهها. Naspers الجنوب أفريقية، و Tiger Global الأمريكية، و Schibsted النرويجية، و Hummingbird البلجيكية، و Webedia الفرنسية، و Rocket Internet الألمانية، و Cookpad اليابانية، و Yemeksepeti و Peak Games التركية، وغيرها من الشركات العالمية اقتنصت فرص سانحة في الوطن العربي واستثمرت واستحوذت واستهدفت شركات إنترنت عربية.

قد يرى البعض أن العتب على شركات الاستثمار الجريء العربية التي يفترض أن تكون في صدارة هذه الاستثمارات، وأن شركات الاستثمار الخاص والصناديق السيادية أكبر من أن تستثمر في شركات ناشئة وأن طبيعة عملها يختص في الاستثمار في الشركات الناضجة والتي تحقق إيرادات عالية. قد يكون هذا صحيحاً، لكن ما رأيكم بالنقاط التالية:

– ما الذي يجعل شركة Naspers الجنوب أفريقية برأس مالها الذي يزيد عن 50 مليار دولار تفكر في ضخ أستثمارات في شركات تقنية عربية؟

– لمن لا يعرف، تعد شركة Rocket Internet الألمانية من أعنف الشركات في العالم بالنسبة لكيفية اختراقها للأسواق وتدميرها للمنافسين المحليين، وهي ممولة من محافظ استثمارية مختلفة منها أحد أكبر بنوك العالم JP Morgan. لماذا قامت شركتي اتصالات عربية بضخ ملايين الدولارات لمساعدت Rocket على اكتساح السوق العربي والقضاء على الشركات العربية المنافسة؟ يعني .. لم نفلح في الاستثمار في مستقبلنا فقررنا مساعدتهم على شراء مستقبلنا بأموالنا !

– أخيراً، نقطة إيجابية أو ربما سلبية.. قبل شهر تقريباً، تم استثمار 700 مليون دولار في شركة Flipkart الهندية من قبل مجموعة من كبار المستثمرين في العالم، وطبعاً بينهم كانت شركتي Naspers و Tiger Global النشيطتين في السوق العربي، أي أن هذه الشركات تستثمر في مستقبل الهند أيضاً. وكان ضمن متصدري هذه الجولة صندوق سيادي عربي.

لا أدري كيف أفسر كل هذه النقاط.. فتفسير أن الشركات العربية الناشئة غير مستعدة للاستثمار ينفيه استثمار الشركات الأجنبية في مجموعة كبيرة من الشركات العربية.. وتفسير أن صناديقنا العربية لا تحب الاستثمار في قطاع الإنترنت أو في السوق العربي تحديداً ينفيه استثمار شركات إتصالات عربية في شركة ألمانية بهدف تأسيس شركات ناشئة في السوق العربي.. وتفسير أن صناديقنا السيادية أكبر من ان تستثمر في شركات إنترنت ينفيه استثمار صندوق سيادي عربي في شركة إنترنت هندية.

لا أجدى سواء تفسير واحد لما يحدث وهو أننا فقدنا الثقة في أنفسنا كعرب وأصبحنا نرى أن كل ما هو عربي فاشل.

أيا مدراء الصناديق الاستثمارية العربية.. هل سنبقى مستهلكين للأبد؟ ألا تدركوا بأن صناديقكم تمارس الاستهلاك فهي تشتري وتبيع شركات صنعها الغير؟ أفيقوا واستثمروا في مستقبلنا العربي.. هذا إن كنتم عرب؟ أما إذا كنتم غير ذلك فلا بأس.. فكيف نتوقع أن يثق أصحاب هذه الصناديق في شركات عربية بعد أن سلموا ثقتهم وزمام صناديقهم للشقر وأصحاب العيون الزرق.

9 تعليقات لـ “نستثمر في ماضيهم ليستثمروا في مستقبلنا”

  1. يقول احمد:

    اسلوب سرد اكثر من رائع واحس ان الكلمات تكاد تنطق كي توصل لنا احساسك
    لا ادري ماذا ازيد عليك فأنت في نهاية التدونية كتبت خلاصة الخلاصة
    نعم هي كذلك المستتثمر العربي غير جرئ ويثق دائما في كل ما هو اجنبي
    عقدة الخواجة
    لكن السؤال لماذا لا يستثمر العرب وينشأوا صناعات ثقيلة
    لماذا لا يقوموا ببناء مصانع عربية وعلى الاقل تصدر منتجاتها للعالم العربي فقط
    فهو سوق ليس بصغير ابدا بل وضخم
    لماذا لا يستغلوا وحدة المكان واللغة والدين في تبني تجارة واحدة
    ويبدأوا في تشريع القوانين لانجاح تلك التجارة
    كتسهيلات جمركية او فرض جمارك على المنتجات التي تنافسهم
    الى متى سنظل مجرد مستهلكين نعتمد في مواردنا على السياحة والبترول

  2. يقول محمد فتحي:

    ابدعت وأجدت
    سلمت يداك

  3. يقول ابو الحسن:

    كانت لدي فكرة .. وهي في حال نجاح احد مشروعاتي ( الغير موفقة صراحة وافتخر بانني تعرضت للفشل ) .. والتي اقوم حاليا باعادة بناء واختبار لافكار مشروعي القادم ( الذي ارجو النجاح فيه ) .. ان استقطع 15% من ارباح المشروع سنويا او شهريا .. لانشاء صندوق او شركة للمال المخاطر لمساعدة الشركات الناشئة .. وكانت الفكرة انني افتتح فرعين في كل سنة … في بلدين من احدى البلدان حول العالم … مثل الشبكة المرتبطة التي يقوم كل فرع بدراسة الافكار والشركات الناشئة في منطقته ومحاولة الاستثمار فيها

    لا تنتظر من الغير ان يوفر الدعم والبناء لك اولا .. بل ادعم وابني نفسك اولا

  4. يقول ابو الحسن:

    وكانت الفكرة ان يتم استقبال ودراسة 10 شركات ناشئة شهريا والاستثمار في شركة واحدة شهريا .. وان يكون نسبة حصة الملكية من الاستثمار بين 25% – 49% … وليس اكثر من 49% .. ( الاستثمار يكون بالفريق لتطويره – وليس هدفنا السيطرة على الشركات الناشئة ) …

    نحن نتحدث عن استقبال ودراسة 100 شركة ناشئة سنويا والاستثمار في 10 شركات ناشئة سنويا .. مبدئيا شيء ممتاز .. فهذا معناه خلال 5 سنوات من عمر الصندوق سيتم بناء وتمويل 50 شركة ناشئة في المجتمع … تخيل 50 شركة بمستوى Flipkart او عقارماب .. او لنقل 20 شركة او 10 او حتى 5 شركات بمستوى Flipkart او عقارماب .. تخيل الطفرة التي ستحدث .. من ناحية الاعمال والتقنيات والافكار والاموال والوظائف ..

    وتخيل لو الزمنا الشركات التي استثمرنا فيها برؤيتنا ( استقطاع 15% او 10% من الارباح الكلية لصالح الصندوق ) .. فسنرى اتساعا واستقرارا بالشبكة الممتدة ….

  5. يقول عزيز:

    هذه الجملة
    —————–
    “لم نفلح في الاستثمار في مستقبلنا فقررنا مساعدتهم على شراء مستقبلنا بأموالنا !”
    ———————
    تلخص فضيحتنا الكبرى في هذا المجال.

  6. يقول محمد محى:

    ما شاء الله اسلوب سرد رائع و شكرا

  7. يقول Muhammad:

    Couldn’t agree more !! It’s a psychological barrier and not related to market size, Talent acquisition or internet .
    .penetration, I believe it’s a lack of trust & faith in our entrepreneurs and only the people like you & like other entrepreneurs who are focused, determinant & persistent can change such mindset.

  8. مقال اكثر من رائع ، واتفق معك تماما ، وأعجبتنى هذه الجملة ، لانها وللاسف تلخص ما نحن عليه
    “لم نفلح في الاستثمار في مستقبلنا فقررنا مساعدتهم على شراء مستقبلنا بأموالنا !”

  9. يقول محمد عبد الرحيم:

    اسلوب سيادتكم رائع وأحب أن أستفيد من خبرتكم فى أن توضح لى إن تكرمت مراجع تخص الأسهم الخاصة private equity

إكتب تعليقك