كيف أدير شركة عقارماب

عندما أسست الشركة في ٢٠١١ كنت أديرها كمدير مشاريع وليس كمدير شركة، وذلك ربما لأن أخر وظيفة عملت بها قبل تأسيس الشركة كانت كمدير مشاريع، فكنت أحدد المهام المطلوب القيام بها ومن ثم أقوم بتكليف أعضاء فريق العمل بتنفيذها مع تحديد موعد للإنتهاء من كل مهمة، وعندما ينتهي فريق العمل من هذه المهام أطلب منهم مهام أخرى. في بعض الوظائف كانت هذه الطريقة مناسبة، ولكن في وظائف أخرى كانت غير مناسبة ومرهقة جداً، وسرعان ما اكتشفت أنه لا يمكن إدارة الشركة كمشروع له بداية ونهاية وإنما يجب إدارتها ككيان مستمر ومن هنا بدأ التغيير.

قد يبدو الأمر بديهياً للقارئ الآن، فبالرغم من أني عملت في شركات كثيرة وتخصصي الدراسي كان في الإدارة، لكني وجدت نفسي أمام تحدي كبير في كيفية ترتيب العمل وإدارته. بعد تفكير عميق توصلت إلى أن كل موظف في الشركة يجب أن يكون لديه ٣ محاور للعمل لا تقتصر فقط على مهام يقوم بإنهاءها ثم يعود إلي باحثاً عن المزيد من المهام، وهذه المحاور هي:

المسؤوليات Responsibilities: وهي الأعمال الموكلة إلى عضو فريق العمل بشكل دوري، بحيث يقوم بها بشكل يومي، اسبوعي، شهري، أو سنوي. بعض الأمثلة عن المسؤوليات هي استقبال العملاء، إعداد التقارير الشهرية، تحقيق المبيعات الشهرية، إلخ..

المهام Tasks: هي الأعمال الغير دورية والتي لها بداية ونهاية وعادة ما تكون صغيرة في الحجم، مثل: عمل بحث عن تقنية معينة، حل مشكلة في الموقع، إلخ.. فكل هذه مهام بعد الإنتهاء منها في الغالب لا يقوم الشخص بالعمل عليها مرة أخرى.

المشاريع Projects: هي مثل المهام ولكنها أكبر حجماً، وتحتوي على مهام صغيرة كثيرة داخلها، ولكنها أيضاً لها بداية ونهاية وليست دورية ومتكررة. مثل: تنظيم رحلة لفريق العمل، توقيع شراكة استراتيجية مع جهة معينة، إلخ..

وكنت أدير هذه المحاور مع فريق العمل عن طريق ملف Google Spreadsheet، حيث يكون لكل موظف ملف خاص به فيه ثلاث صفحات، كل صفحة فيها أحد هذه المحاور، فالمسؤوليات مدرجة وواضحة ويمكن إجراء تعديلات عليها في أي وقت، والمهام واضحة ولها موعد إنتهاء معين يجب أن يلتزم به الموظف، والمشاريع أيضاً واضحة ولكنها أحياناً تحتاج إنشاء صفحة خاصة بها فيها تقسيم المهام الداخلية وتحديد مواعيد الإنتهاء منها. سهلت هذه الطريقة توضيح دور كل عضو من فريق العمل، وأصبح يفهم ما هو المطلوب منه بكل سهولة، وأصبحت هذه الملفات أشبه ما تكون بوصف وظيفي Job Description لكنه حيوي ومتغير بما يتناسب مع متطلبات الشركة الناشئة التي عادة ما تتغير فيها الأدوار والأولويات بشكل اسبوعي إن لم يكن يومي.

بعد فترة اكتشفت أني أحياناً أطلب مهام معينة بمواعيد معينة لكن يتم تأخير تسليم المهام او يتم تجاهل أو نسيانها، والبعض ينسى وجود الملف الخاص به كلياً وينشغل في العمل على المهام البارزة أمامه، فأصبحت هذه الملفات منظمة وجيدة ولكنها غير فعالة، لهذا كان علي أن أوفر إجراء إداري يضمن تنفيذ الأعمال الموكلة إلى فريق العمل. الحل كان بسيط جداً، قمت بتحديد إجتماع اسبوعي مع كل موظف يتكرر أسبوعياً في نفس الوقت، وخلال الاجتماع أراجع مع الموظف كل المحاور والأعمال الموكلة إليه، فأراجع المسؤوليات وأتأكد أنه يفهمها ويقوم بها بالشكل السليم، ومن ثم أقوم بمراجعة المهام والمشاريع، فإذا كانت المهمة قد أنجزت في الزمن المحدد أعطيها اللون الأخضر، وإذا كانت متأخرة اللون الأحمر، وإذا كانت قيد التنفيذ تأخذ اللون الأصفر. فأصبح كل موظف مضطر لمتابعة الملف لأنه يعمل أني كل أسبوع سأراجع معه كافة الأعمال المطلوبة منه.

أستمريت بهذه الآلية البسيطة لعامين تقريباً وكانت تفي بالغرض خصوصاً وأن معظم أعضاء فريق عقارماب جادين في العمل، وراغبين دوماً في تطوير الشركة، ولكن الآلية كانت مهمة لضبط الأداء والتأكد أننا لا ننسى الأعمال المهمة، فأصبحت لا أكتفي أبداً في أن أطلب مهمة من أي شخص بشكل شفهي أو عن طريق البريد الإلكتروني لأنه من الوارد جداً أن ينسى الشخص المهمة الموكلة إليه، وأيضاً من الوارد أن أنساها أنا أيضاً، فأصبح كل شيء يتم تدوينه في الملف الخاص بكل موظف. مع الوقت بدأت أكتشف أن المهام منضبطة بشكل ممتاز لأن لها موعد إنتهاء معين Deadline والمشاريع في الحقيقة لم تكن كثيرة فبدأت أتجاهلها، لكن الكارثة كانت في المسؤوليات لأنها عامة وسائبة وعندما أسأل الموظف هل تقوم بهذه المهمة قد يكتفي بأن يقول لي نعم أو لا، وإذا قمت هذا الأسبوع بإعطائها اللون الآحمر نظراً لتقصير الموظف بها يمكنه أن يعمل عليها الأسبوع القادم وسيصبح لونها أخضر ويمتسح تاريخ الأداء السيء، لهذا أدركت أنه علي تطوير النظام مرة أخرى.

بدأ التطوير مع أحد أكثر الأشخاص ولاءاً وحباً للشركة ولكنه أقل الأشخاص تركيزاً وتنظيماً لعمله، وطبعاً لن أذكره هنا لأنه يستحق وسام شكر من الشركة وليس التشهير أو التلميح، ولكنه فعلاً سبب لي شيب الشعر أو ربما ساعدني في تطوير الشركة بشكل غير مباشر. طبيعة عمل هذا الشخص كانت تستدعي وجود الكثير من المسؤوليات والقليل من المهام، أي أن عمله يتكرر بشكل دوري ولا يتغير، لهذا كانت إدارته صعبة جداً، خصوصاً أن المسؤوليات ليس لها تاريخ محدد للإنتهاء، لهذا قررت أن أسجل تاريخ أداء الموظف لمسؤولياته بشكل أسبوعي، فأصبح بجوار كل مسؤولية عدة أعمدة، يمثل كل عمود منها اسبوع عمل، وفي كل أسبوع عندما أجتمع مع الموظف أحدد معه أداءه لكل مسؤولية، فيأخذ لون أحمر أو أخضر فقط، وأزلت اللون الأصفر لأنه لون يميع الأمور ويقلل من الالتزام. وفي الأسبوع التالي لا أقوم بمسح الألوان السابقة وإنما أسجل ألوان جديدة في العمود التالي، وهكذا أصبح يمكن تقييم أداء الموظف لمسؤولياته بشكل سهل، فبعض المسؤوليات تجده دائماً يقوم بها بشكل جيد لهذا لونها في كل أسبوع أخضر، والبعض دائماً أحمر، وأصبحت هذه الآلية البسيطة تشكل وسيلة ضغط على الموظف تدفعه كل أسبوع لمحاولة الحصول على اللون الأخضر في كل المسؤوليات لأن التاريخ الآن أصبح يتسجل بشكل دقيق.

الجدير بالذكر أني لم أربط هذه الآليات أبداً بالأداء الوظيفي والمرتبات وغير ذلك إيماناً مني بأني لو قمت بذلك ستتحول الاجتماعات إلى مشادات وجلسات نقاش وتفاوض. وأستمريت في استخدام هذا النظام مع هذا الموظف لعدة أشهر، ومن ثم بدأت بتطبيقه في معظم أقسام الشركة، وكان عبارة عن تطوير للنظام السابق، وأصبح لدى كل موظف الآن محورين فقط: المسؤوليات والمهام. والحقيقة أن المسؤوليات أصبحت أكثر أهمية من المهام، فكل جزء من أعمال الشركة أصبحنا نقوم بتقسيمه باحترام إلى مسؤوليات دورية لكي نضمن استمرارية العمل بالشكل المطلوب دائماً، فعندما نقوم بإطلاق خدمة جديدة أو نحتاج لحل مشكلة معينة في الشركة، لا نكتفي أبداً بالكلام في الاجتماعات، وإنما نقوم بتحويل الكلام في نهاية الإجتماع إلى مهام ومسؤوليات لكي نضمن أنه سيتم العمل عليها فوراً، وسيتم متتابعها بشكل اسبوعي.

في ٢٠١٦ بدأت الشركة في النمو بشكل أكبر، وزاد عدد الموظفين من ٢٠ موظف إلى ٧٠ موظف، وأصبح لدينا مدراء أقسام وزاد تعقيد العمل، ولكني طلبت من الجميع الالتزام بنفس الآلية السابقة، ومن ثم بدأت بإصدار تقييم شهري لكل فريق آخر شهر، حيث أقوم بإرسال إيميل شهري للشركة بالكامل أحدد فيه ترتيب الفرق المختلفة، محدداً الفريق الحائز على المركز الأول، وصولاً إلى الفريق الأخير في الترتيب، وكان الكثير يعترض على طريقة ترتيبي لأنها ليست علمية ومبنية على وجهة نظري، ولكن في نفس الوقت كانت جميع الفرق تتنافس على الصعود في الترتيب الشهري.

في ٢٠١٧ توصلت إلى آخر تطوير في نظام إدارة عقارماب وهو نظام الدرجات Scoring، وهذا النظام ينطبق حصرياً على المسؤوليات، فمع زيادة عدد الموظفين أصبحت هناك حاجة ماسة لتنظيم العمل بشكل أفضل، خصوصاً أن بعض الموظفين كان لديهم مسؤوليات مهمة جداً ولكنهم قد يتجاهلوها ويحصلوا على لون أحمر بدون أن يؤثر ذلك أو يغير من أداءهم تجاه المسؤولية في الأسابيع القادمة، فأستنتجت أنه يجب أولاً توضيح مدى أهمية ووزن كل مسؤولية للموظف مقارنة بالمسؤوليات الأخرى، ومن ثم يجب أن يكون هناك نوع من المحاسبة على المسؤوليات الموكلة لكل موظف، وإن لم تكن محاسبة مالية، فلتكن على الأقل محاسبة معنوية. لهذا طلبت من كل مدير أن يقوم بإعطاء كل مسؤولية لدى كل موظف درجة من ١٠٠٪، بحيث يصبح إجمالي درجات جميع المسؤوليات يساوي ١٠٠، وفي كل اجتماع اسبوعي يتم إعطاء الموظف ليس فقط لون أحمر أو أخضر، وإنما أيضاً الدرجة التي يستحقها بناءاً على نسبة عملة على كل مهمة على حدة، وفي آخر الشهر يتم أخذ متوسط أداء الموظف على كل المهام في الأسابيع الخاصة بالشهر، ويتم إعطاء الموظف درجته الشهرية. يا ترى ما هو المغزى من هذه الدرجة وكيف سيتم استخدامها؟

الأمر بسيط، هل تذكرون الإيميل الشهري الذي أرسله لترتيب أداء كل فريق والذي كان الجميع يرى بأنه غير مبني على أسس علمية، الآن أصبح هذا الإيميل دقيق جداً. فالترتيب أصبح مبني على متوسط درجات أعضاء الفريق الواحد، وبهذا أصبح المركز الأول فعلاً هو أكثر فريق ملتزم بأداء مهامة بشكل ممتاز، إلخ.. والأهم من ذلك، أصبح جميع اعضاء الفريق يشجع بعضه البعض على أداء عمله على أكمل وجه لكي يرتفع ترتيب الفريق بشكل عام، وقد يستغرب البعض أنه لا يوجد أي مكافئة مالية أو مادية لهذه الترتيبات، والحقيقة أن فرق العمل الناجحة لا تعمل فقط للأغراض المادية، وتكتفي أحياناً بالنجاح والتقدير مقابل عملها واجتهادها، ولكن طبعاً لا يخفى على الجميع أن الأداء الممتاز يكافئ ولو بشكل جزئي أو غير مباشر في تحديد زيادات المرتبات وتحديد أيضاً الترقيات داخل الشركة.

وآخيراً، نصل إلى أهم نقطة توصلت إليها في النظام، وهي أن الإيميل الخاص بترتيب الفرق أصبح يحتوي أيضاً على قائمة بأسماء كل أعضاء الفريق، وبجوار كل اسم عضو درجته، فأصبح من السهل جداً معرفة من هم أكثر أعضاء الفريق تأثيراً ورفعاً لأداء فريقهم وشركتهم، ومن هم أضعف أعضاء الفريق، أيضاً يمكن بسهولة للشركة كاملة معرفة من هم أفضل وأكفء الموظفين على مستوى الشركة بشكل كامل، ومن هم للأسف الأضعف، وبالتالي عندما تتم الترقيات لا يصبح هناك مجال للشك أن الترقيات تمت على أي نوع من المجاملات أو المحسوبيات، وعندما يتم رفد بعض الموظفين لا يكون هناك مجال للشك أن الشخص الذي تم رفده لم يكن يقوم بدوره الفعال في الشركة. والأجمل من هذا كله، أن الضغط الاجتماعي وحده كفيل في دفع جميع أعضاء فريق العمل لتطوير الشركة والنهوض بها لأعلى مستوى من مستويات النجاح.

ملاحظة: 
النظام لا يزال قيد التطوير والتحسين، وبالرغم من أن جزء كبير منه مبتكر وفقاً لاحتياجات الشركة إلا أنه في الحقيقة تجسيد لظواهر إدارية تقيليدية مثل: المهام الوظيفية Job descriptions، الاجتماعات الأسبوعية One on One Meetings، وتقييم الأداء السنوي Performance Evaluation، ولكني قمت بدمج هذه المفاهيم وغيرها بما يتناسب مع احتياجات شركتي. أيضاً، كنت قد قرأت سابقاً أن شركات عديدة مثل جوجل تتبع اسلوب يسمى OKR لإدارة العمل في الشركة، وهو يحقق نفس المغزى ولكنه يعتمد أكثر على وضع أهداف ودفع فريق العمل لتحقيقها، وهو نظام أحاول أن استنبط منه بعض المفاهيم حالياً لدمجها في النظام المتبع في عقارماب حالياً.

دمتم بخير ..

إكتب تعليقك