شباب الإبداع

لا شك في أن اليأس مقبرة للإبداع، وأن أجيال متتالية من الشباب العربي عانت من هذه الظاهرة السلبية لزمن طويل. ولكن، ما هي العوامل التي زرعت هذا اليأس، وما مدى تأثيرها على روح الإبداع والاختراع لدى شبابنا؟

سمعنا دوماً تذمر الشباب من الحكومات لتقصيرها في دعم المشاريع والأفكار الجديدة، وسمعنا انتقاداتهم لبنية البلد التحتية التي لا تسهل بدأ المشاريع الصناعية العملاقة أو ما شابه. وقد ينسب البعض ظاهرة اليأس وانعدام الإبداع إلى الفقر أو التخلف الناتج عن ضعف النظم التعليمية في البلاد. والجميع يعلم بأن هناك أسباب – من وجهة نظري أعذار – أخرى يمكن استخدامها لتبرير اليأس والكسل الفكري. ولكن، حري بنا أن نقف وقفة جادة مع هذه الظاهرة لكي نجد أسبابها الحقيقة، وبالتالي نتمكن من حلها أو على الأقل فهم ماهيتها.

قد يكون للعوامل المذكورة أعلاه تأثير على المشاريع الهندسية أو الصناعية، لما فيها من ارتباط بالبنية التحتية، واحتياجها لرأس مال كبير ومهندسين وعمال ذوي كفاءة وخبرة. ولكن في عصر التكنولوجيا الحديثة والإنترنت الذي نعيش فيه، ما الذي قيد طموح شبابنا ليمنعه من التعمق في هذا النطاق الفكري الواسع؟ فالابتكار في مجال تقنية المعلومات خصوصاً في مجال البرمجيات لا يحتاج إلى رأس مال كبير أو بنية تحتية أو دعم حكومي. إذاً، فالمشكلة ليست في العوامل الخارجية التي تم استخدامها كشماعة أعذار لزمن طويل، إنما المشكلة تتعلق بالشباب نفسهم وبمدى رغبتهم في التغيير والتطوير.

كم من الساعات تهدر يومياً في جلسات والقيل والقال والمنتديات وغرف الشات، وهذا والله أمر عجيب. فلو أن الشباب كان متيسر الحال وكل شيء متوفر لديه لقلنا بأنها نعمة نزلت عليهم فلم يُقدِروها وأضاعوا وقتهم في اللهو واللعب. ولكن الحقيقة هي أن غالبية الشباب يبحث عن وظيفة، أو مصدر رزق لدفع رسوم الجامعات والمدارس. ومع هذا كله، لا تزال شريحة كبيرة من الشباب مواصلة مشوار جلسات إضاعة الوقت اليومية، غير مبالية بما يدور حولها أو محاولةً أن تتناسى واقعها المرير. أين ذهب مبدأ الحاجة أم الاختراع، فشبابنا هم في أمس الحاجة ووضعهم يستدعي نهضة فكرية تساعدهم على تحقيق طموحاتهم بدلاً من التذمر والتخاذل.

في الحقيقة، أرى أن على كل شاب أو شابة يطمح في تحقيق نجاح مهني أو أكاديمي التسلح بسلاحين لا بد منهما في هذا الزمن، اللغة الإنجليزية وإجادة التعامل مع الحاسوب وشبكة الإنترنت. صحيح أن أي متخصص في المجال التقني يستطيع أن يقوم بتطوير برنامج كمبيوتر ناجح ليقوم ببيعه في دول الوطن العربي أو حتى عالمياً، وكذلك يمكن لمصممي المواقع تطوير مواقع تجارية عالمية عن طريق فحص احتياجات السوق العالمي وتلبية الطلب بالعرض المناسب. ولكن، يجب أن نعي أن فوائد شبكة الإنترنت والتقنية الحديثة لا يمكن حصرها في المجال التقني، فبإمكان المهندس والمترجم والتاجر وغيرهم تسويق خدماتهم ومنتجاتهم عبر الإنترنت. ما الذي يمنع المهندس المعماري عرض تصاميمه وخدماته الاستشارية عبر موقع خاص به، وما الذي يمنع المترجم توفير خدماته بأسعار منافسة جداً عبر الإنترنت، وكذا التجار وغيرهم. كل هذه الخدمات والمنتجات يمكن تسويقها على النطاق العربي والعالمي بكل سهولة، وتطبيق هذه المشاريع على أرض الواقع لا يتطلب من صاحبها رأس مال كبير إطلاقاً، وبالإمكان الاستعانة بمصممي المواقع العرب لإطلاق صفحاتهم الإلكترونية.

لاحظت مؤخراً أن كل من يتعمق في مجال تقنية المعلومات يبدأ بالتفكير في تصميم منتدى، أو موقع أغاني، أو اختراق موقع. سلبية التقليد أنهت إيجابية التجديد، وأصبح لدينا تكرار ممل وغير مجدي، فبينما العالم يسعى للاختراع والابتكار، نرى شبابنا يبدع في التقليد والإتباع. ليس من العيب أن نحاول الاستفادة من نجاح الآخرين، ولكن الواجب أن نحاول الاستفادة ممن حقق نجاحات، وليس ممن أدعى تحقيق النجاحات. فمثلاً، دولنا العربية ككل أنتجت 370 براءة اختراع من عام 1980 إلى عام 1999، وعند مقارنة هذا الرقم الهزيل مع بقية دول العالم، يقف المتمعن وقفة ذهل وحيران. طبعاً، هناك جذور عميقة للمشكلة ولا يمكن حصرها وتعميمها بهذه الطريقة، ولكن الشاهد على القول هنا أن المشكلة كائنة ولا بد من مواجهتها.

للأسف أن شبابنا دوماً يتطلعوا إلى الوطن العربي كقدوة أو كمثال ناجح، ولكن الحقيقة أن مثلنا الأعلى وقدوتنا لم يحقق أي نجاح، فالأحرى بنا النظر إلى الدول والمجتمعات التي حققت نجاحات حقيقية. المجتمع الياباني هو المجتمع المثالي في هذا المجال، ولكن التغيير الذي حصل في اقتصادهم كان مدعوم من قبل الحكومة وتضمن إعادة هيكلة البنية التحتية للبلاد. ولكن تبقى الصين والهند والبرازيل أمثلة حية وواقعية عن مدى قدرة الشباب على تصدير طاقاتهم ومهاراتهم إلى العالم بأسره. نعم، كان هناك رأس مال وكان هناك استثمار؛ رأس المال هو العقل والاستثمار هو الوقت، وكلاهما متوفر لدينا !

ملاحظة: كتبت هذه المقالة لجريدة يمنية، لهذا قد لا تنطبق بعض الأفكار على بقية الدول العربية.

2 thoughts on “شباب الإبداع”

  1. كلام جميل جدا، لكن نحن كعرب نؤمن دائما بانة يجب ان نحصل اولا على الاساسيات وبعدها سنتجة الى الاشياء الثانوية (كحد رؤيتناك: الابداع والاختراع وربما الحصول على الثقافة). لابد ان يبدأ الغيير المنشود من نظام التعليم، من الحصول على طالب يصلح لسوق العمل الى الحصول على طالب يبدع اولا، وبهذا سيجد هو مسلكة الى سوق العمل والنجاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *