Let’s Pay it Forward

قبل عامين تقريباً، كنت أبحث عن مستثمر يرغب في تمويل مشروع عقار ماب، وكان هناك الكثير من المهتمين لكن طالما تلاشى هذا الاهتمام لسبب أو لآخر إلى أن توفقت في مجموعة من المستثمرين الذين يؤمنون بالفكرة وبفريق العمل. لكني أذكر أن أحد المستثمرين المصريين الذين لم نتوفق معهم كان مهتم جداً، وكان قد أخبرني بأنه سيستشير أحد أصدقاءه ذوي الخبرة في مجال الإنترنت وخصوصاً في مجال العقارات. بعد بضعة أيام أرسل لي المستثمر رسالة حلل فيها صديقة مشروعنا بشكل تفصيلي وكانت الرسالة مليئة بالنقد اللاذع والمحبط والواقعي في النفس الوقت، فقرر المستثمر التراجع عن التمويل واعتذر مني.

بعد وصولي لمصر ببضعة أشهر، تواصلت مع المستثمر المصري وطلبت منه أن يعرفني على الشخص الذي قام بإرسال تلك الرسالة، وبالفعل عرفني عليه والتقيت به في أحد المطاعم الفاخرة في القاهرة. ذهبت لاقابله لأن رسالته كانت مليئة بالمعلومات القيمة على الرغم من أنها كانت سلبية ومتشائمة جداً، لكني ادركت بأن من كتب هذه الرسالة لديه فهم عميق للسوق. كان اللقاء لطيف، واستفدت منه كثيراً، لا بل أصبح موجه لي وناصح بشكل دائم. استمر اللقاء لمدة ٣ ساعات تقريباً، نصف الوقت كان تعارف وحوار عن عقار ماب وعن وضع الشركة، والنصف الآخر كان يحاول فيها إقناعي بتغيير آلية معينة في نموذج الشركة الربحي. بعد ساعة ونصف من المحاولة والإصرار من قبله، سألتي نفسي: لماذا الإصرار؟ لماذا يتكلم بحرقه؟ لا بد من أنه يقول شيء مهم؟ تفتح عقلي قليلاً ورأيت بوضوح المعلومة التي كان يحاول أن يوصلها إلي وأنا أرفضها باستمرار. وعدته بأن أفكر في الموضوع بجدية.

عدت إلى المنزل ولم استطع النوم، فالفكرة التي أقترحها علي كانت جيده جداً، ولكن مع بعض التغييرات والتطويرات التي طرأت عليها وأنا عالق في زحام شوارع القاهرة أصبحت فكرة جهنمية سترتقي بالمشروع لمستوى جديد. بالفعل قضيت بضعة أيام أقلب الفكرة وأدرسها ووجدت أنها ستنجح حتماً، فقررت عرضها على فريق العمل، وبدأنا بالفعل في تنفيذها. المثير في هذه القصة، أن فريق العمل كان يستغرب كيف استطاع هذا الشخص إقناعي بمثل هذا التغيير الجذري، والأهم من ذلك لماذا اهتم هو بإقناعي ولماذا التقى بي بعد ذلك عدة مرات يتدارس معي تطور المشروع وينصحني بشكل مستمر. سألني أحد الشباب، ما الذي يستفيده هو؟ لماذا يهتم بعقار ماب؟ ما هي مصلحته من الموضوع؟

أذكر أننا في يوم من الأيام أرسلنا رسالة لكل أعضاء الموقع، وكان صديقي ضمن هؤلاء الأشخاص الذي استلموا الرسالة. بعد دقائق من إرسال الرسالة، اتصل بي وبدأ بالصراخ وهزئني ثم سألني: هل تريد النجاح بالفعل؟ ما هذا اللعب؟ إلخ.. إلخ.. بصراحة كنت على وشك أن أسأله، من أنت اصلاً؟ ولماذا تتدخل في شؤون شركتي 🙂 لكني طبعاً أكن له احتراماً كبيراً، وبنفس الوقت لم أفهم ما الذي ضايقه. كان تعليقه على خطأ إملائي في الرسالة، وطلب مني أن أقوم بطرد الموظف الذي كتب هذه الرسالة، المشكلة أنه لم يعلم بأني أراجع مثل هذه الرسائل بشكل شخصي، فربما كان الأحرى علي أن أطرد نفسي.

مرة أخرى التقيت به في أحد المقاهي وفور وصولي سألني هل اطلقت نسخة الموبايل من الموقع، أخبرته بأننا سنبدأ قريباً وبأن.. قاطعني بشدة ولامني على التأخير وأخبرني بأني سأضيع فرصة ذهبية من بين يدي. كان يتكلم بحرقة تجعلك بالفعل تستغرب وتتساءل من صاحب الشركة أنا أم هو؟ بصراحة منذ ذلك اليوم، قررت ألا أقابله حتى أطلق نسخة الموبايل والتي قاربنا الإنتهاء منها فعلاً.

لماذا كل هذا الاهتمام؟ لماذا يقوم شخص بمساعدة شخص آخر بدون الحصول على أي عائد مادي أو معنوي؟ طبعاً هذا من أخلاقنا كمسلمين وعرب. لكن قلما نجد هذه الظاهرة في مجال المال والأعمال في الوطن العربي، فالكل مشغول بعمله، ومن يقدم شيء يتوقع مقابل. إلا أن هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير في قطاع الإنترنت في أمريكا مثلاً، حيث يساعد كل شخص الآخر على الوصول إلى النجاح، وعادة ما تسمى هذه الظاهرة: Pay it Forward.

متى أخر مرة قمت أنت بمثل هذا الشيء لشخص يحاول بدأ مشروعه؟ ومتى آخر مرة قام شخص ما بمساعدتك بهذه الطريقة لبدأ مشروعك؟ أنا لا أتحدث عن نصيحة سريعة أو رسائل بريدية، أتحدث عن شخص يأخذ من وقته الغالي والنادر ساعات طويلة ليساعدك ليس مرة ولا مرتين، إنما بشكل مستمر بدون أي مقابل.

Let’s Pay it Forward

13 تعليق لـ “Let’s Pay it Forward”

  1. يقول سامح:

    سبحان الله, ظننت أن بذل الخير للناس (خاصة في هذا المجال) قد فني أهله!

  2. يقول محمد:

    كالعادة مقالة مميزة ..
    انا أعلم أشخاص كثيرين كهذا الشخص ..

    لانحرمنا من مدوناتك . وشكرا لك

  3. يقول Ryan Hart:

    Raouf Shabayek of Shabayek.com, who you introduced me to, has routinely sent me emails with ideas of how to improve MillionDollarEarth.com.

    I have been very grateful for his insight into the Middle East and what would appeal to the businesses there.

    I would attribute 60% of all my sales to his help and guidance.

  4. سبحان الله يا عماد ,, الله سبحانه وتعالى يقدر الامور بميزان عجيب ,, يظهر بعض الاشخاص في حياتك بدون ميعاد مسبق وهذا شئ طبيعي لكن المفاجاه تاتي عندما يبداء هولاء الناس في التاثير فيك بشكل ايجابي وفي بعض الاحيان سلبي والمثل يقول اذا لم يكن لي عين ترى واذن تسمع فلى قلب يحس ,, يوفتيك قلبك بالمضي قدما وهذا ما عملته يا اخ عماد , الله يوفقك ,, يوم امس ذكرتك في سؤال لي للاخ عمر القدسي صاحب موقع جيران والذى كان يلقي محاضرة ذكر بها ان موقع جيران سوف يبداء بعملية مسح الامكان واضافتها ضمن موقع جيران ,, عقبالك

  5. يقول اسامة مصطفى:

    الجميل أن تستمع للنقد البناء حتى لو لم يعجبك، وتفكر فيه وتعيد التفكير فيه، فقد تعتقد أنك على صواب وتصر على أنك على صواب بينما أنت ترتكب أكبر الأخطاء في حياتك

    جميل فن الاستماع

  6. يقول خالد:

    أصبحنا في زمن عجيب نسأل الله السلامة .!

    عندما لايقدم الآخرون النصيحة لنا لوجه الله فهذا أمر طبيعي ولكن عندما يأتي شخص ويقدم لنا النصيحة لوجه الله أصبح شيء غريب بالنسبة لنا في زمننا هذا .!

    اصبح حالنا كمسلمين بهذا الشكل حينما ابتعدنا عن كتاب ربنا وسنة نبينا فنسأل الله العفو والعافية ..

    شكرا اخوي عماد على هذه التدوينة وبانتظار جديدك باستمرار فلا تطل الغياب ..

    موفقين جميعاُ ..

  7. العجبني في الموضوع اني عارف مين الراجل ده 🙂

  8. يقول نانيس:

    احمد ربنا على ظهور الاشخاص المناسبين فى الاوقات المناسبة

  9. أنت تفعلها مع كثيرين يا عماد 🙂

    آخر لقاء معك كان سببا في تغيير استراتيجيتي في العمل ل 180 درجة ، وكنت محقا في الكثير

  10. هذا الرجل يقل نظيره ، لو كان يقدم الاستشارات لمشروع غير ربحي فهذا يحصل أحياناً ، لكن أن يكون مشروعاً ربحياً ويتعاطف معه دون مقابل بهذه الدرجة فهذا ينم عن صدقه وحبه لنفع الغير ،،
    هنيئاً لك بمثل هذا الرجل 🙂

  11. يقول M.B.O:

    عندي فضول لاعرف ماذا قال لك هذا الشخص وماهي الفكرة التي زرعها برأسك ؟؟

  12. يقول عمار المطهر:

    استمتعت اليوم بقراءة بعض المقالات من مدونتك ، وبينما كنت أقرأ المقالات كنت أسأل نفسي مالذي يدفع المسعودي لتخصيص جزء من وقته لافادة الاخرين بتجربته.

    أظنني الان عرفت السبب.

    تحياتي لك و لأمثالك

  13. قلّما نجد مثل هذه الشخصيات، هنيئاً لك ولنا بوجود مثله في وطننا العربي

إكتب تعليقك